ابن ميثم البحراني
186
شرح نهج البلاغة
بذكر طول العناء في طلبهم وبعد الرجاء لما يرجى منها : أي ما أطول هذا العناء اللاحق لكم في طلب الدنيا وما أبعد هذا الرجاء الَّذي يرجونه منها ، وظاهر أنّ متاعب الدنيا لطالبها أطول المتاعب ومطالبها لراحتها أبعد المطالب كما قال عليه السّلام من قبل : من ساعاها فاتته وكما قال الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من جعل الدنيا أكبرهمّ فرّق اللَّه عليه همّه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته منها إلَّا ما كتب له . وهذا الكلام يقتضى أنّ المتجرّد لطلب الدنيا لا يزال ملاحظا لفقره مستحضرا له فهو حامل له على التعب في تحصيلها والكدح لها ، ويحتمل أن يريد بالعناء المشار إليه عناؤه في جذبهم إلى اللَّه ودعوته لهم إلى الآخرة في أكثر أوقاته فإنّهم لا يرجعون إلى دعوته ولا يتّفقون على كلمته ، وظاهر أنّه عناء طويل وتعب عظيم . وبالرجاء المشار إليه رجاؤه لصلاحهم واستبعده ثمّ أيّد بهم . واستعار لفظ الأزمّة للآراء الفاسدة المتّبعة والأهواء القائدة لهم إلى المآثم . ووجه المشابهة كونها قائدة لهم كما تقود الأزمّة الجمال ، ولفظ الإلقاء للأعراض عن تلك الآراء الباطلة وترك العمل لها . ولفظ الظهور لأنفسهم ، ولفظ الأثقال للمعقول من أثقال الذنوب ، ووجه المشابهة الأولى كونها حاملة لأثقال الخطايا والأوزار كما يحمل الظهور الأثقال المحسوسة كما قال تعالى « وهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ » ( 1 ) وقوله « ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ » ( 2 ) ووجه الاستعارة الثانية أنّ الملكات الرديئة الحاصلة من اقتراف المآثم تثقّل النفوس عن النهوض إلى حظاير القدس ومنازل الأبرار كما تثقّل الأثقال المحسوسة الظهور الحاملة لها . ولمّا استعار لفظ الإلقاء والأزمّة اللذين من شأنهما أن يكونا باليد وفي اليد رشّح بذكر الأيدي فقال : من أيديكم . والحاصل أنّه أمرهم بترك الآراء الفاسدة ونهاهم عن متابعتها ، ونبّه على وجوب تركها بأنّهم إذا ألزموها وعملوا على وفقها قادتهم إلى حمل أثقال الخطايا . ثمّ أردف ذلك بالنهى عن التفرّق عنه بعد تقديم النهى عن اتّباع الآراء الفاسدة المستلزمة للهلاك تنبيها على أنّ آراءهم في التصدّع عنه من تلك
--> ( 1 ) 6 - 31 . ( 2 ) 30 - 12 .